عندما يُدمر الإسقاط والوهم مستقبل الشركات
في عالم الأعمال الشرس لا توجد منطقة وسطى بين المواجهة والاندثار . غير أن بعض القيادات والمدراء يُصابون بما يُعرف بمتلازمة النعامة حيث يدفنون رؤوسهم في رمال التفاصيل اليومية أو الأوهام الذاتية ، ظناً منهم أن عدم رؤية المخاطر يعني عدم وجودها ، وأن تأجيل الاستحقاقات هو نوع من الذكاء الإداري!
ولكن النتيجة الحتمية لهذه الفلسفة العقيمة هي تحويل المؤسسة من كيان قابل للنمو إلى قنبلة موقوتة تنتظر انفجاراً مالياً أو تشغيلياً ينهي وجودها في السوق .
أولاً : الهروب المالي والنزيف الصامت للسمعة
يتجلى سلوك ” النعامة ” بأوضح صورة في إدارة الالتزامات المالية :
- جدولة الديون بالرد السلبي : حيث يتبع هذا المدير قاعدة : طالما أن الدائن لا يطرق الباب ، فهو غير مدرج في جدول السداد ! هذا السلوك لا يُراكم المديونيات وفوائدها فحسب ، بل يُعرّض الشركة لمواجهات وقضايا مفاجئة تعصف بسمعتها التجارية في لحظة واحدة.
- الفوضى بين الذمة المالية للشركة والذمة الشخصية: غياب الفصل التام بين مالية صاحب الشركة ومالية المؤسسة يؤدي إلى سوء توظيف التدفقات النقدية ، وغياب الرقابة الحقيقية على مصادر الإنفاق.
ثانياً : شلل النمو والتقشف القاتل
الهروب من المسؤولية لا يتوقف عند الديون ، بل يمتد إلى القرارات الاستثمارية والتطويرية :
- تجميد التوظيف الاستراتيجي: الامتناع عن تعيين الكوادر المؤهلة بدعوى توفير النفقات ، مما يُلقي بالأعباء على كوادر غير مجهزة أو يسبب شللاً في التشغيل .
- خنق شريان التسويق: التعامل مع التسويق كـ رفاهية يمكن الاستغناء عنها ، وهو ما يؤدي مباشرة إلى جفاف قناة المبيعات وتناقص الدخل التراكمي خطوة بخطوة.
ثالثاً : الفخ النفسي والإدمان الزائف للإنجاز
يعيش المدير النعامة داخل فقاعة من الرضا الزائف عن الذات ، تتغذى على ثلاثة مظاهر مضللة :
- نشوة السيولة المؤقتة: الشعور الزائف بالتحقق لمجرد وجود تدفق نقدى لحظي ، ودفع ذلك النقد في مصارف خاطئة لا تحقق أي عائد استثماري مما يؤدي الي انهيار الحلم والصدمة السريعه بأن هذا النجاح كان سؤاب ووهم .
- سراب العلاقات العامة (Fake Networking) : الإفراط في عقد اجتماعات مع رجال أعمال وتنفيذيين محنكين ، ظناً منه أنه يبني شبكة علاقات قوية ، بينما في الواقع يستغل الآخرون شغفه لتوجيهه لجمع البيانات واستخلاص الأفكار التي يحتاجون لها دون إعطائه أي قيمة حقيقية أو استثمار ملموس ، ولا يوجد مانع من اعطاءه حوافذ وهميه في صورة ديون مسترده .
- وهم الاجتهاد (حُسن الصُنع): إقناع النفس بأنه يبذل قصارى جهده ويحترق من أجل العمل ، في حين أن كل حركته بلا استراتيجية ، بلا جدول أعمال ، بلا مؤشرات أداء قياسية لكنها مجرد أفكار سابحة وأحلام يقظة.
رابعاً : روشتة الإنقاذ.. وقفة صارمة مع الذات
إذا كانت لديك القدرة على ان تصارح نفسك أو كنت ترى بعض هذه الأعراض في مؤسستك ، فقد حانت لحظة الحقيقة . لأن الخروج من هذا المأزق يتطلب قرارات شجاعة ومباشرة :
1- تصنيف الالتزامات بصرامة :
قم بتقسيم ملفاتك فوراً إلى حزمتين واضحين :
- حزمة الالتزامات والديون: جدول زمني ملزم وسريع لسداد المستحقات واستعادة ثقة السوق.
- حزمة خطط النمو: ميزانية محددة للتطوير والتوظيف والتسويق لضمان استمرارية التدفقات النقدية.
2- قتل فكرة الرجل الواحد (One-Man Show) :
التنازل عن مركزية القرار ، وتوزيع الصلاحيات بجانب المسؤوليات . اعطِ كل ذي اختصاص مساحته وقراره ، وحاسبه على النتائج لا على النوايا.
3- إعادة تقييم مالي وقانوني شامل
توقف عن تمثيل دور الضحية أو خوض معارك وهمية وتقمص شخصية محارب طواحين الهواء . ضع الميزانية العمومية على الطاولة بكل شفافية وقُل إما اتخاذ قرارات تصحيحية جذرية تكفل الاستمرار ، أو تقليل الخسائر والتوقف المنظم.
خلاصة القول: الأحلام بلا استراتيجية هي مجرد أوهام ، والمماطلة لا تُلغي الالتزامات بل تضاعف ثمنها . اركض نحو أزماتك وواجهها بشجاعة وقوة قبل أن تتراكم وتقتلك في النهاية !
الي صديقي المدير وصاحب الشركة
بقلم . م . أحمد هيكل
استشاري تطوير الاعمال وادارة الازمات